الغزالي
62
إحياء علوم الدين
وعن [ 1 ] سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنّ لكلّ نبيّ حوضا وإنّهم يتباهون أيّهم أكثر واردة وإنّى لأرجو أن أكون أكثرهم واردة » فهذا رجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرج كل عبد أن يكون في جملة الواردين ، وليحذر أن يكون متمنيا ومغترا وهو يظن أنه راج ، فإن الراجي للحصاد من بثّ البذر ، ونقى الأرض ، وسقاها الماء ، ثم جلس يرجو فضل الله بالإنبات ودفع الصواعق إلى أوان الحصاد . فأما من ترك الحراثة أو الزراعة ، وتنقية الأرض وسقيها ، وأخذ يرجو من فضل الله أن ينبت له الحب والفاكهة ، فهذا مغتر ومتمن وليس من الراجين في شيء . وهكذا رجاء أكثر الخلق ، وهو غرور الحمقى ، نعوذ باللَّه من الغرور والغفلة ، فإن الاغترار باللَّه أعظم من الاغترار بالدنيا . قال الله تعالى * ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ ) * « 1 » القول في صفة جهنم وأهوالها وأنكالها يا أيها الغافل عن نفسه ، المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على الانقضاء والزوال ، دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه ، واصرف الفكر إلى موردك ، فإنك أخبرت بأن النار مورد للجميع إذ قيل * ( وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ) * « 2 » فأنت من الورود على يقين ، ومن النجاة في شك . فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد ، فعساك تستعد للنجاة منه . وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا ، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها ، وتشفيع شفعائها ، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب ، وأظلت
--> « 1 » فاطر : 5 « 2 » مريم : 69 ، 70